محمد حسين علي الصغير

101

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

العرب بوصفه أبلغ أنواع التشبيه ، ولأنه يشكل المظاهر الفنية لوجوه التشبيه ، وسيتجلى ذلك واضحا من خلال مدارسة المبحث الآتي بإذن اللّه . تشبيهات القرآن : مما تقدم يبدو لنا أن أرقى التشبيهات في البيان العربي هي تلك التشبيهات التي وردت في القرآن الكريم ، وكان هذا الموضوع قد بحث قديما وحديثا في أشتات متناثرة من مختلف الدراسات القرآنية حتى إنك لا تجد كتابا بلاغيا ولا مبحثا قرآنيا ولا مصنفا في مجازات القرآن يخلو من الإشارة إليه ، وقد أفرده بالتصنيف الجيد الممتاز ابن ناقيا البغدادي ( ت : 485 ه ) في كتابه القيم ( الجمان في تشبيهات القرآن ) « 1 » . ولعله أول من خصص كتابا لتشبيهات القرآن بهذا المستوى من الضبط والسعة ، إذ تتبع فيه ظاهرة التشبيه القرآني في ست وثلاثين سورة من القرآن ، واستخرج من كل سورة آيات التشبيه وأشار إليه ، وحقق في معنى الآية ، وعلاقة التشبيه ووجوهه بما يعد بحق نموذجا راقيا بالنسبة لعصره في استيعاب مظاهر التشبيه القرآني . ولا بد لنا من رصد هذه الظاهرة القرآنية لموقعها المتميز ، من غير استقصاء لأبعادها ، فهذا متعذر مع هذا البحث المختصر ، وإنما من بعدها النفسي ومسايرتها للكون ومظاهره فحسب ، إذ سبق لنا أن سلطنا الضوء على هذا الملحظ في عمل أكاديمي مستقل والذي يستوقفنا فيهدينا من تشبيهات القرآن الكريم ، غورها في أعماق النفس الإنسانية ، وسبرها لمظاهر الكون والطبيعة ، واستقطابها لملامح الحس والإدراك البصري والسمعي ، وسبك ذلك كله في صياغة موحدة تنظر إلى هداية الإنسان ، وتهيئة ذهنه ، بما يحس أمامه وبين يديه ، وما يدركه واعيا في حياته العامة ، وبهذا نرى التشبيهات القرآنية ذات قدرة فائقة ، ولمحات جديدة ؛ تلك القدرة وهذه اللمحات قد استوعبا في نماذج كثيرة ، مظاهر الكون والحياة ، وعوالم الطبيعة ، وهبات المناخ في خضم مشاهد الدنيا .

--> ( 1 ) ظ : رسالتنا للدكتوراه ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 166 - 197 .